ابن ميثم البحراني
398
شرح نهج البلاغة
19 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله أَمَّا بَعْدُ - فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وقَسْوَةً - واحْتِقَاراً وجَفْوَةً - ونَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلًا لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ - ولَا أَنْ يُقْصَوْا ويُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ - فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ - ودَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ والرَّأْفَةِ - وامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ والإِدْنَاءِ - والإِبْعَادِ والإِقْصَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ : أقول : الدهقان : معرّب يحتمل الصرف إن كان نونه أصليّة وإلَّا فلا ينصرف للوصف والألف والنون الزائدتين . والقسوة : غلظ القلب وشدّته . وأقصاه : أبعده . والجفوة : ضدّ البرّ . والجلباب : الملحفة . والمداولة : تقليب كلّ واحد من القسوة والرأفة على الآخر والأخذ بكلّ منهما مرّة - من الإدالة وهي الإدارة - . والمنقول أنّ هؤلاء الدهاقين كانوا مجوسا . ولمّا شكوا إليه غلظة عامله فكَّر في أمورهم فلم يرهم أهلا للإدناء الخالص لكونهم مشركين ولا إقصائهم لكونهم معاهدين فإنّ إدنائهم وإكرامهم خالصا هضم ونقيصة في الدين ، وإقصائهم بالكليّة ينافي معاهدتهم . فأمره بالعدل فيهم ومعاملتهم باللين المشوب ببعض الشدّة كلّ في موضعه ، وكذلك استعمال القسوة مرّة والرأفة أخرى والمزج بين التقريب والإبعاد لما في طرف اللين والرأفة والتقريب من استقرار قلوبهم في أعمالهم وزراعاتهم الَّتي بها صلاح المعاش وما في مزاجها بالشدّة والقسوة والإبعاد من كسر عاديتهم ودفع شرورهم وإهانتهم المطلوبة في الدين . واستلزم ذلك نهيه عن استعمال الشدّة والقسوة والإبعاد في حقّهم دائما واللين والرأفة والإدناء خالصا ، واستعار لفظ الجلباب